Sunday, November 30, 2014

التعليم وصناعة القزم

من مآسي التعليم النظامي, أنه يغرس في الفرد التقزم في مواجهة المؤسسات, ويجرده من إنسانيته حتى يقبل بهذا التقزم في كل دورة حياته, فينتقل من "رقم في كشف" إلى "رقم جلوس" إلى رقم "استمارة توظيف" و "رقم قومي" و "رقم شهادة وفاة...

هذا التقزم يفقد الإنسان الثقة في قدرته على القيام بالكثير من الأشياء, ويضعف من إيمانه بقدرته على الاستغناء عن المؤسسات التي تحرك حياته والسير مستقلا في طريق يناسبه ... وهو أيضا يؤدي بالإنسان لفقدان الجرأة على محاولة تغيير تلك المؤسسات أو إصلاح حالها لتتناسب مع آدميته, وحتى القلة القليلة التي تحاول التغيير تجد نفسها واقعة في شرك التغيير من خلال المؤسسات وبآلياتها وتحت وصايتها, مما يفقد التغيير معناه في الأصل...
فمؤسسة تعليمية قامت على التسلط في سلسلة طويلة تبدأ من البواب أو الفراش وحتى المدرس ثم الناظر والموجه والمدير التعليمي والوزير ... هل تقبل هذه السلسلة أن تقوم بالوصاية على تغيير يحجم من سلطاتها أو يقوم بالرقابة على أفعالها؟ ومع أن الفكرة غير منطقية, إلا أن التقزم الذي يتم غرسه في نفوس العامة يجعلهم يسرعون باللجوء لتلك المجموعة من الأشخاص عند المطالبة بتغيي رالمنظومة أو المؤسسة إلى الأفضل!

حين أتناقش مع أولياء الأمور أو المهتمين بالتعليم أو حتى الطلبة أنفسهم في مسألة التعليم, فإنني أجد نسبة لا بأس بها تسارع بالتمسك بالمنظومة الحالية باعتبارها لا بديل لها, وحتى عيوبها يلجأون للتحايل لحلها بوسائل
متعددة دون التفكير في استبدال المؤسسة أو تحديها, يلي هذه النسبة مجموعة تتبنى التغيير من خلال "مطالبة الوزارة" و "التواصل مع المسؤولين" و "مناشدة الإدارات المدرسية", وكل هذه في رأيي من مظاهر التقزم الذي غرس في الناس أنه "لا تعليم بدون مؤسسة" و "لا يمكن للفرد الاعتماد على ذاته والاستغناء عن المؤسسات" و "لا تغيير بدون تبني المؤسسة للتغيير"

هذا التقزم يستمر مع الناس غالبا إلى المراحل التالية, ولهذا تجد الكثير من الموظفين يستسلمون للابتزاز الاقتصادي والتهديد بالتجويع الذي تمارسه الكثير من الشركات الكبيرة على موظفينها, ولهذا تجد الحركات العمالية صعوبة في إقناع الموظفين بقدرتهم على مجابهة هذه الإدارات وتحجيم ممارساتها, فالموظف ليس إلا "قزم" في مواجهة الشركة العملاقة. وأيضا المستهلك ماهو إلا قزم في مواجهة المنتج الذي يسيء إليه أو يبيع سلعة سيئة... ولهذا تحرص كل تلك المؤسسات على الإبقاء على التعليم وممارسات السوق بطريقتها الراهنة, لكي تضمن وجود القزم وتوفره , فالقزم هو الموظف المطيع والمستهلك الأكثر طاعة, وبتوفره تبقى الآلة مستمرة في الدوران بلا مشاكل.

إن القزم في داخلك يدعوك للعجز والكسل, وترك الطريق الصعب مقابل المزيد من التقزم والانسحاق, مما يجعل كل فرد منا يشعر بالدونية أمام الكيانات العملاقة التي تملي إرادتها عليه يوميا, أما حين تتبنى عقلية مختلفة ومستقلة, وتدرك الحجم الحقيقي لما يمكنك أن تفعله والحجم الحقيقي لهذه المؤسسات والخدمات التي تقدمها وكيف يمكنك استبدالها, أو رفضها أو إجبارها على التغيير ... حينها فقط تكون قد تحررت من قيود القزم الداخلي.

No comments:

Post a Comment